“السنوات العشر التي قضاها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في المدينة تمثّل سِنيّ إرساء قواعد النظام الإسلاميّ، وبناء أنموذج الحكم الإسلاميّ لجميع أبناء البشرية على مرّ التاريخ الإنسانيّ في مختلف الأعصار والأمصار”.

كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم يتعقّب مقارعة الواقع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ بظلمه وطاغوته وفساده، فكان يغرس بذور الفكر والعقيدة أينما وَجد الأرضية المساعدة لذلك، على أمل أن تنبتَ تلك البذور في الوقت المناسب. وكانت غايته من ذلك إيصال رسالة الحريّة والنهوض وسعادة الإنسان إلى كافّة القلوب. وذلك يتعذّر إلّا عن طريق إقامة النظام النموذجيّ القدوة. لذلك فقد جاء النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة لإقامة مثل هذا النظام النموذجيّ. لكن المدى الذي تسعى (فيه) الأجيال اللاحقة لمواصلة ذلك والاقتراب من هذا النموذج، منوطٌ بهِممها ومساعيها.

امتاز سلوك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالتدبير والسرعة في العمل؛ فلم يدعِ الفرصة تفوت في أيّ قضية. كان صلّى الله عليه وآله وسلّم طاهراً قانعاً… معصوماً نقيّاً، وهذا بحدّ ذاته يمثّل أهم عوامل التأثير. إنّ التأثير بالعمل أوسع وأعمق بدرجات من التأثير باللسان.

بالطبع، عندما كان يواجه العدوّ كان يستخدم معه أسلوباً سياسياً يوقعه في الخطأ؛ فلقد كان يباغت العدوّ في الكثير من الحالات، سواء في المواقف العسكرية أم السياسية، لكنّه كان صريحاً وشفّافاً مع المؤمنين ومع قومه على الدوام، نقيّاً واضحاً… يُبدي المرونة في المواطن الضرورية.

إنّ الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بنى الخلايا الأولى لجسد الأمّة الإسلامية بِيَده المقتدرة في تلك الأيّام العصيبة من تاريخ مكّة، فبنى قواعد الأمّة الإسلامية ورفع عمادها، فكان المؤمنون الأوائل، وأوّل من اعتنق الإسلام، وأوّل من كانت لديهم تلك المعرفة والشجاعة والنورانية التي مكنّتهم من الوقوف على حقيقة الرسالة النبويّة والإيمان بها، فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ (الأنعام:125).

لامس الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بأنامله الرقيقة شعاع تلك القلوب الوالهة، وفتح بيده القويّة أبواب الأفئدة على عالَمٍ رحبٍ من المعارف والأحكام الإلهية، فتفتّحت الأذهانُ والقرائح، وازدادت الإرادات صلابة، ودخلت تلك الثلةّ المؤمنة – التي كان يزداد عددها يوماً بعد يوم – في صراعٍ مريرٍ لا يمكن تصوّره في المرحلة المكّية. لقد تفتّحت هذه البراعم في بيئة لم تكن تعرف سوى القيم الجاهلية، فكان يسودها العصبية الخاطئة، ويعمّها الحقد العميق، وتتصارع بين جنباتها قوى القسوة والشرّ والظلم والشهوة…

الإمام الخامنئي (دام ظله)