[:ar]إنّ أيّ نظام اجتماعيّ لا يُمارس دوره في فراغ، وإنّما في كائنات بشريّة وعلاقات قائمة بينهم، وهو من هذه الناحية تتحدّد درجة نجاحه وقدرته على تعبئة إمكانات المجتمع، وتفجير الطاقات الصالحة في أفراده تبعاً لمدى انسجامه إيجاباً أو سلباً مع التركيب النفسيّ والتاريخيّ لهؤلاء الأفراد.

 

ولا نقصد بذلك أنّ النظام الاجتماعيّ والإطار الحضاريّ للمجتمع يجب أن يُجسّد التركيب النفسيّ والتاريخيّ لأفراد المجتمع، ويحوّل نفس ما لديهم من أفكار ومشاعر إلى صيغ منظّمة، فإنّ هذا لا يُمكن أن يكون صحيحاً بالنسبة إلى مجتمعات العالَم الإسلاميّ الّتي تشكو من أعراض التخلُّف، والتمزُّق، والضياع، وتُعاني من ألوان الضعف النفسيّ، لأنّ تجسيدَ هذا الواقع النفسيّ المهزوم ليس إلا تكريساً له واستمراراً في طريق الضياع والتبعيّة.

 

وإنّما الّذي نقصده هو بناء حضاريّ جديد لمجتمعات التخلُّف هذه لا بُدّ أن يمرّ من خلال اختيار الإطار السليم الّذي يأخذ في الحسبان مشاعر الأمّة، ونفسيّتها، وتركيبها العقائديّ والتاريخيّ، وذلك لأنّ حاجة التنمية الحضاريّة إلى منهج اجتماعيّ وإطار سياسيّ، ليست مجرّد حاجة إلى إطار من أطر التنظيم الاجتماعيّ، ولا يكفي لسلامة البناء أن يدرس الإطار ويختار بصورة تجريديّة ومنفصلة عن الواقع، بل لا يُمكن لعمليّة البناء أن تُحقّق هدفها في تطوير الأمّة واستنفار كلّ قواها ضدّ التخلُّف إلّا إذا اكتسبت إطاراً يستطيع أن يدمج الأمّة ضمنه حقّاً، وقامت على أساس يتفاعل معها، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ1.

 

إذاً، لكي تكتمل لنا معالِم الصورة والرؤية الإسلاميّة في اختيار المنهج والإطار العام لبناء الأمّة واستئصال جذور التخلُّف منها، يجب أن نُدرك الحقيقة والأساس الّذي تنطلق منه، وهي حقيقة البدء بالتغيير الداخليّ للفرد والمجتمع معاً، وعلى ضوئها يكون لدينا مركّب حضاريّ عقائديّ قادر على تحريك الأمّة وتعبئة كلّ قواها وطاقاتها للمعركة ضدّ التخلُّف، والتبعيّة، والاستغلال.

ومن يستطيع القيام بوظيفة التغيير الداخليّ وتقديمه للإنسان اليوم، هي الدولة الّتي تقوم على أساس إسلاميّ بحيث تُشكّل منه المنطلق نحو بناء إطارها الاجتماعيّ، ومنهجها العمليّ، وتفعيل عناصر القدرة التغييريّة فيها.[:]

Posted in غير مصنف