عاشت الزهراء عليها السلام مع علي عليه السلام في هذا البيت الفقير، ولكنها لم تجعل من سوء الوضع الاقتصادي في البيت مناسبة لتحويله الى جهنم، وانما ظللته بالحب الذي كانت تعطيه لمن حولها من قلبها، وجعلته جنة على الارض، فخرج هذا البيت الحسن عليه السلام الصابر المحتسب في سبيل الله، وخرج الحسين عليه السلام الثائر المقاتل في سبيل الله، وخرج زينب عليها السلام التي تنحني لها هامات عظماء الرجال اجلالا واكبارا. لقد خرج هذا البيت الفقير نماذج للدنيا، فالغنى لا يصنع رجالا، والاثاث لا يصنع بيوتا، وانما تقوى الله هي التي تصنع الانسان، وتصنع البيوت.

تلك هي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله، الملقبة بالزهراء عليها السلام، فعندما نذكر وفاتها عليها السلام، وهي اول معصوم انتقل الى روح الله وريحانه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، لا نستطيع الا ان نتحدث عن حياتها القصيرة بحساب السنين والأيام….

وجدت فاطمة عليها السلام نفسها يتمية في منزل والدها الى جانب اخواتها – اللواتي توفين في بيوت أزواجهن- فقامت بواجبها على اكمل وجه، على الرغم من أنها كانت فتاة صغيرة، تحتاج الى رعاية، فكانت تستقبله كما كانت السيدة الجليلة خديجة بنت خويلد تستقبله، إذا دخل الباب، وتضمد جراه التي احدثها سفهاء الناس وصبيانهمن وتذهب عن نفسه نكد الدهر، وصلافة الجاهلية، حتى استحقت ان يقول فيها رسول الله صلى الله عليه وآله : إنها أم أبيها.

إن السيف لا يستغني عنه مجاهد في سبيل الله، ولكن مغوارا تهابه الفرسان كعلي عليه السلامن وتفر الجموع من بين يديه لا يحتاج كثيرا الى الدرع، فكان الدرع هو مهر الزهراء عليها السلام.

كانت الزهراء عليها السلام أما، ولكنها لم تنس أنها جزء من المجتمع، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله، ورأت أن بعض حسك  النفاق يطفو على السطح خرجت الى المجتمع تدلي بدلوها، فلم تجزع لما جرى، ولم يصبها الوهن.

ما أحب أن نتعلمه منها هو أن نجعلها انموذجا لنسائنا وبناتنا، بل أقول: نجعلها انوذجا لرجالنا، فحري بمثل الزهراء عليها السلام أن تكون انموذجا للعالمين في تفانيها، وفي بذلها في سبيل الله،.

شرف عظيم لنسائنا أن يكن مع الزهراء عليها السلام، ومع زينب عليها السلام في نفس الصف، يندبن معها، ويجاملنها في البكاء، والرثاء والعزاء.

الشيخ راغب حرب (قدس سره)