عديدة هي الأبعاد التي يمكن استشفافها من خلال وقفة تأمل بين يدي الإمام الحسين عليه السلام وثورته المباركة.

1- حيث تتجسد قيادته للأمة واهتمامه بشأنها فيخشع القلب أمام تلك العظمة والحكمة والحنان وحب الخير ومحاولة الإسهام في الإنقاذ من النار، وتعليم الناس كيفية العيش بعزة وكرامة.

2- وحيث يمثل الحق بنصاعته وصلابته واستقامته، ليدحض الباطل بكدورته ووهنه واعوجاجه.

ليبقى أبو الشهداء مناراً يستضاء به في طريق تحرير الإنسان من الذل والاستكانة والخنوع، ومنارة يستدل بها على درب الاستقلال. وأن هذا كله لم يكد يتحقق لولا دمه الزاكي المعطر بأريج التضحية في سبيل الله تعالى من أجل إعلاء كلمة التوحيد، الأمر الذي قد يدهش الكثير ممن لم يتعرفوا على ملامح شخصيته المباركة، وممن لم يتوفروا على دراسة تصور قبسات من مثله ومبادئه وأبعاد ثورته.

لذا فمن الضروري أمام هذا الموقف أن تؤشر تلكم الأبعاد المستشفة من الثورة الحسينية المباركة التي ساهمت في تجلية الحقائق، وأسهمت بشكل فاعل في الكشف عن كثير من مظاهر الزيف الذي أريد له أن يحكي صوت الإسلام وصورته – مع الأسف – إلا أنه (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)[1] فنجد أن أبا الأحرار يراقت موقف الأمة، وإذا به يصرح بقوله: (ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه)[2]، ليبين واقع المأساة التي تعيشها الأمة، وليكشف عن ضرورة النهوض بأعباء المسؤولية الشرعية الملقاة على عاتق الراعي والرعية، القائد والجماهير لئلا يقولوا (إنا كنا عن هذا غافلين)[3]، وهو عليه السلام بهذا التصريح يكون قد أعلن عدم شرعية تصدي القائمين على الحكم آنذاك لئلا يتورط أحد بالمبايعة والمسالمة:

1- لأنه نظام يقوم على انتهاك حقوق الإنسان، حيث أن رأس النظام الحاكم (قاتل النفس المحترمة)[4] بشهادة الإمام الحسين عليه السلام، الأمر الذي يوضح عدم تورع هذا القاتل عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ما يجرأه على انتهاك الحرمات الشرعية فلا يلتزم بقانون ولا يتقيد بشريعة.

2- ولأنه نظام يستبيح الممنوعات الإسلامية من خلال اتصاف رأسه الحاكم بكونه (رجل فاسق، شارب خمر، معلن بالفسق)[5] حسبما صرح الإمام الحسين عليه السلام، ليكشف عن علاقة وطيدة وعتيدة بين يزيد وهذه الحالة من التمرد على القيم السماوية حتى أنه لا يبالي بالإعلان عنه، وهذا –بحد ذاته- كناية عن تعود وتطبع على الحال حتى غدا لا يستشنعه فضلاً عن أن يستنكره أو يقلع عنه.

والملفت للنظر أن الإمام الحسين عليه السلام يؤكد على ذلك عندما أجاب مروان بقوله (ويحك أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق، لقد قلت شططاً من القول)[6]، ليدلل على مدى اشتهار يزيد به، ومع ذل لم يتحمس مروان للدفاع والإنكار كما عادة المحتفين النفعيين، وبعد هذا كله فكيف يصلح للقيادة وإمرة المؤمنين؟

3- ولأنه نظام يستهين بهيبة المنصب الذي تنصب فيه، حيث يكون المترأس لاعباً بالقرود، وقد روى البلاذري في أنساب الأشراف ما يخزي من روايات لعبه بالقرود حتى قال فيه رجل من تنوخ:
 يزيد صديق القرد ملء جوارنا    فحن إلى أرض القرود يزيد
فتباً لمن أمسى علينا خليفة       صحابته الأدنون منه قرود

وقد كان يشجع حلبات المصارعة سواء بين الدببة أو القرود أو الأكباش، كما كان مغرماً بالخمر حتى قيل عنه ما من يوم إلا ويصبح فيه مخموراً[7].

وكل هذه الظواهر تقلل من ثقة الرعية بأهلية الراعي للرعاية حيث يكون مقصراً في الرعي، لأنه غائب عن الوعي فلا يكون مؤهلاً للقيادة قانوناً، لفقدانه الإحساس بفعل تأثير (أم الخبائث).

وعليه فلم تكن القيادة التي يراد إحكام البيعة لها بمؤهلة لهذه المؤشرات فقط، بل لأنها أيضاً جاءت تمثل محاولة نقض عهد أبرم سابقاً ينص على عدم استخلاف معاوية من بعده أحداً، لتعود خلافة المسلمين للإمام المعصوم عليه السلام، بينما لم يعتن بهذه الاتفاقيات والالتزامات كلها.

فتبين جلياً للجميع أن أسباب نهضة الحسين عليه السلام قد هيأت لها عوامل كثيرة يمكن التعريف بها من خلال أنها عملية ازدياد نقاط الباطل في مقابل نقصان نقاط الحق، ما يوجب الجهاد والنهوض لتصحيح الخطأ الكبير الذي ارتكبه من لا حريجة له في الدين.

* المصدر: ثمر الفكر – بتصرّف يسير

[1]  التوبة، الأية 32.
[2]  تحف العقول ص 245.
[3]  الأعراف، الأية 172.
[4]  الفتوح لابن أعثم 5/14.
[5]  م / ن.
[6]  م / ن 17.
[7]  ظ / أنساب الأشراف – فصل نسب بني عبد شمس 2 / 177 – قرص المكتبة الشاملة.