وإذا كان الحسين (عليه السّلام) يمثّل الرُسُل والرسالات الألهية، فلا بدّ أن ينحو منحاهم في تبليغها، فلقد كانوا يقضون أكثر أوقاتهم في إبلاغها، وإتمام الحجّة على أقوامهم قبل أن ينزلوا معهم إلى المعارك الحاسمة.

وهكذا فعل الحسين (عليه السّلام).

فإذا كان في المحلّلين التاريخيِّين مَنْ يزعم «أنّ شعب الكوفة الذي حارب الحسين لم يكن يعرفه، ولا يعرف عن أهدافه شيئاً»!

فإنّ ذلك ليس إلاّ تحريفاً للحقائق من وجه آخر، فكيف يُدّعى على أُمّة أنّها لم تعرف سبط نبيّها بعد «خمسين سنة» فقط من وفاته؟! فعليها العفاءُ من اُمَّة! وبالخصوص أهل الكوفة الّذين عاش الحسين (عليه السّلام) بينهم طوال خمس سنين، مدّة وجود أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) في الكوفة (36 ـ 40 هـ) فما أغباهم من أُمّة لو نسوا ابن إمامهم بعد (عشرين) سنة فقط؟!

إنّه عذرٌ أقبح من الجرم بمّرات!

ومع هذا فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قطع أوتار هذا العُذْر، فوقفَ كما وقفَ الأنبياء، والدعاة إلى الله، ناصحاً، ومعرّفاً بنفسه، ومتمّاً للحّجة عليهم.

قال الرواة: لمّا نزلَ عمر بن سعد بحسين، وأيقنَ أنّهم قاتلوه، قامَ الحسين (عليه السّلام) في أصحابه خطيباً، فحمدَ الله وأثنى عليه، ثمّ قال:
«قد نزل بنا ما ترونَ من الأمر، وإنّ الدنيا قد تغيّرتْ وتنكّرتْ وأدبر معروفها، واستمْرَتْ حتّى لم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، إلاّ خسيس عيش([1]) كالمرعى الوبيل.
ألا ترونَ الحقَّ لا يُعمل به والباطلَ لا يُتناهى عنه؟!
ليرغبَ المؤمنُ في لقاء الله.
وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادةً، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً»([2]).

ففي أقصر عبارة وأوفاها في الدلالة جمع الإمام (عليه السّلام) بين الإشارة إلى الماضي والتعريف بالحاضر.

وذكر الحق وتركه، والباطل والالتزام به.

وذكّر بلقاء الله منتهى أمل المؤمنين ورغّبهم فيه.

وذكر السعادة، وجعل «الحياة مع الظالمين» ضدّها!

وأهمّ ما في الخطبة التذكير بالتغيّر الحاصل في الدنيا، وإدبار المعروف؟!

ألا يكفي السامع أن يتنبهَ إلى الفرق بين «دُنيا» يوم عاشوراء، عن الدنيا قبلها، وما هو «التغيّر» الحاصل فيها كي يعتبر؟!

وأظنّ أنّ كلّ مفردة من المفردات التي أوردها الإمام (عليه السّلام) في خطبته تكفي لأن يعيَ السامعون ويبلغوا الرشد إن لم تكن على القلوب أقفالُها!

وفي غداة يوم عاشوراء خطب الإمامُ (عليه السّلام) أصحابه:
فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال : «عبادَ الله، اتّقوا الله وكونوا من الدنيا على حَذَر، فإنّ الدنيا لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحدٌ كانت الأنبياءُ أحقَّ بالبقاء، وأولى بالرضا، وأرضى بالقضاء.
غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء، فجديدها بال، ونعيمها مضمحلّ وسرورها مكفهرٌّ.
والمنزلُ بُلْغةٌ، والدار قلعة. (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبابِ)».

فذكر الدنيا وحذّر منها، وذكر الأنبياء (عليهم السّلام) ليدلّ على حضورهم في الأهداف معه.

وذكر البلاء والفناء والبلى واضمحلال نعيمها واكفهرار سرورها لعلّ كلماته تبلغ مسامعَ أهل الكوفة فتندكّ بها، فيرعوون عمّا هم عليه مقدمون!

ولّما لم يجدْ منهم اُذناً صاغية، وكان صباح «عاشوراء» توجّه بهذا الدعاء:
لمّا صبّحت الخيلُ الحسينَ بن عليّ (عليه السّلام) رفع يديه فقال:
«اللّهُمَّ أنت ثقتي في كلّ كَرْب، ورجائي في كلّ شدّة، وأنتَ لي في كلّ أمر نَزَلَ بي ثقةٌ وعُدّةٌ، فكمْ من هَمّ يضعفُ فيه الفؤادُ، وتقلّ فيه الحيلةُ، ويخذل فيه الصديقُ، ويشمتُ فيه العدوُّ، فأنزلتُه بك وشكوتُه إليك رغبةً فيه إليك عمّن سواك، ففرّجْتَهُ وكشَفْتَهُ وكفيتَنيه. فأنت وليُّ كلّ نعمة، وصاحبُ كلِّ حسنة، ومنتهى كلِّ غاية»([3]).

وفي هذا الدعاء توجيه للسامعين إلى الله، وإيحاء بالثقة والرجاء والأمل والفرج والكشف والكفاية.

وتحديد للعدوّ والصديق، وتذكير بالنعمة والحسنة والغاية، التي هي لقاء الله.

أمّا إذا لم ينفع التذكيرُ، ولم ينجع النصحُ لقوم غفلوا عن الله، وهم عُميٌ صُمٌ بُكمٌ، لا يفقهون حديثاً، ولا يعون شيئاً.

فإنّ الإمام (عليه السّلام) لمّا وَجَدَ نفسه مُحاطاً بالأعداء، ووجدهم مصمّمين على تنفيذ الجريمة العُظمى لا يرعوون، كاشفهم بكلّ الظواهر والبواطن

وأوضح لهم الواضحات، لئلاّ يبقى عذرٌ لمعتذر، قال الرواة:
لما استكفَّ الناس بالحسين (عليه السّلام) ركب فرسه، ثمّ استنصتَ الناسَ فأنصتوا له، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي (صلّى الله عليه وآله)، فقال: «تبّاً لكم أيّتُها الجماعة وترحاً!
أحين استصرختمونا وَلِهينَ، فأصرخناكم موجِفينَ، شحذتُم علينا سيفاً كان في أيماننا، وحششتُم علينا ناراً قدحناها على عدوّكم وعدوّنا، فأصبحتُم إلْباً على أوليائكم، ويَداً عليهم لأعدائكم.
بغير عدل رأيتموه بثُّوه فيكم، ولا أمَل أصبح لكم فيهم.
ومن غير حَدَث كان منّا، ولا رأي يُفَيّل فينا!
فهلاّ ـ لكم الويلاتُ! ـ إذ كرهتمونا تركتمونا، والسيف مشيمٌ، والجأش طامنٌ، والرأي لم يستخفّ.
ولكن استصرعتم إلينا طيرة الدنيا، وتداعيتم إلينا كتداعي الفراش.
قيحاً وحكةً وهلوعاً وذلّةً لطواغيت الأُمّة، وشذّاذ الأحزاب، ونَبَذة الكتاب، وعُصبَة الآثام، وبقيّة الشيطان، ومحرّفي الكلام، ومطفي السنن، وملحقي العهر بالنسب، وأسف المؤمنين، ومزاح المستهترين الّذين جعلوا القُرآن عضين (لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ)!
فهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟!
أجَلْ ـ والله ـ الخذلُ فيكم معروف، وشجت عليه عروقكم، واستأزرت عليه أُصولكم وفروعكم.
فكنتم أخبث ثمرة شجرة للناظر، وأكلة للغاصب!
ألا فلعنة الله على الناكثين (وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً).
ألا وإنّ البَغيَّ قد ركز بين السِلّةِ والذلّة، وهيهات منّا الذلّة،([4]) أبى الله ذلك ورسولهُ والمؤمنون، وحجورٌ طابتْ، وبطونٌ طهرتْ، وأُنوفٌ حميّةٌ، ونفوسٌ أبيّةٌ، تُؤْثِر مصارعَ الكرام على ظآر اللئام.
ألا وإنّي زاحِفٌ بهذه الأُسْرة على قِلّة العدد، وكثرة العدوّ، وخذلة الناصر!
فإنْ نَهْزِمْ فهزّامون قِدْماً
وإن نُهْزَم فغير مُهَزَّمينا
وما إنْ طِبُّنا جُبْنٌ ولكنْ
منايانا وطعمة iiآخرينا

ألا ثمّ لا تلبثون إلاّ ريثما يُركبُ فرسٌ حتّى تُدار بكم دورَ الرحا، ويُفلق بكم فلقَ المحور، عهداً عهده النبي إلى أبي.
(فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ، ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ)[سورة يونس: 71].
(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَا مِن دَابَّة إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِراط مُسْتَقِيم)».

فإنْ كان في سامعي هذه الخطبة مَنْ عنده مثقال ذرّة من خير اكتسَبه بعرف أو تعلّمه من درس أو دين، أو كان له ضمير ووجدان، أو من يرجع إلى عقل ونظر لنفسه، لكانت له مُرشدةً!
إذ إنّ الإمام (عليه السّلام) قد استعمل كلّ ذلك.
فحرّك الأعراف القائمة على الوفاء بالعهد، والإحسان بالمثل.
وبصّرهم بالبؤس الذي غمرهم فهم في غمرته ساهون، فلا عدلَ ولا أملَ في الحكم الذي تحت نيره يرزحون وهم لا يشعرون!
وقرأ لهم الشعر الحماسي الذي تمثّل به أبطال العرب، وسارت به الأمثال!
أوضح لهم مفاسد الموقف من خلال عروض البغيّ ابن البغيّة، كي تتحرّك عندهم خيوط الوجدان، ويتبصّروا مواقع أقدامهم وأهدافهم لَعلّهم يهتدون.
كما عرّفهم ـ بأقوى نصٍّ ـ بنفسه وأصله وفصله، والجماعة الّذين معه، الّذين عبّر عنهم بـ «هذه الأُسرة» تعبيراً عن اندماجهم وتكتّلهم ووحدتهم في المسير والمصير، وأنّهم ليسوا مّمن يتوقّع نزولهم على رغبة الأعداء، هيهات!
وذكر في خُطبته الأنبيَاء، والنبيّ، وأباه.
وقرأ لهم الآيات مستشهداً بها.
ألم يكن الجمع قد سمعوا آيات القرآن وهم الآن يسمعون الإمام (عليه السّلام) يتلوها عليهم؟!
فإن لم يقرؤوا القرآن فكيف يدّعون الإسلام؟!
وإن قرؤوه فهل حجّة أتمّ عليهم من آياته؟!

الحسين (عليه السلام) سماته وسيرته – بتصرّف يسير، السيد محمد رضا الحسيني الجلالي


([1]) في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور : حشيش عَلَس.
([2]) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 146.
([3]) مختصر تاريخ دمشق ـ لابن منظور 7 / 146.
([4]) وفي نسخة : «الدنيّة» بدل «الذلّة».